العقل والعقيدة.
اتفق أساطين علم الكلام، كالجويني والغزالي والباقلاني والرازي وابن فورك وغيرهم، على الدور الأساسي للعقل في العقيدة الصحيحة. وبناء على ذلك نعتقد أن صفات الباري تعالى هي عين الذات، لأن الله تعالى واحد أحد، غير مركب، وإثبات صفة زائدة على الذات يفضي الى تعدد القدماء. فالله تعالى يتصف بالوجود والحياة والعلم والقدرة لذاته، وليست هذه الصفات زائدة على الذات، وما سوى هذه الصفات وجب تأويله وصرفه عن ظاهره، لأن الله تعالى تكرم فعرفنا نفسه بما تدركه أفهامنا، ونحتاجه في دعائنا إياه، فقال سبحانه: " ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها". وعليه فان الصفات الخبرية، كالعين والقدم والوجه واليمين والأصابع، إن صحت أخبارها وجب أن تؤول فيكون معنى الاستواء مثلا هو الاستيلاء، ومعنى اليد هو النعمة، ففي قوله تعالى:" ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" عبر عن الذات الالهية بالوجه، وفسر الامام البخاري الوجه في قوله تعالى:" كل شيء هالك إلا وجهه" بالملك والسلطان، وفسر الامام أحمد المجيء في قوله تعالى:" وجاء ربك والملك صفا صفا" بالقدرة، وحمل القاضي عبد الجبار اليد في قوله:" بل يداه مبسوطتان" على النعمة، وحمل اليمين في قوله تعالى:" والسماوات مطويات بيمينه" على معنى القوة.
العلم الإلهي.
والله تعالى يعلم الكليات والجزئيات قبل حصولها وعند حصولها، ولا يوجد فاصل زمني بين علمه بالمحدثات وإرادته لها وقدرته عليها. كما أن الله تعالى سميع بذاته، لكنه يسمع المسموعات وقت حدوثها، وبصير بذاته، يبصر كل حادث موجود يمكن إبصاره. والله تعالى متكلم كلامه مخلوق، فكان تكليم الله موسى بخلق صوت في الشجرة أومن جهتها، ليسمع موسى الكلام واضحا. كما أنه خلق كلاما جعله في اللوح المحفوظ، سماه توراة، وإنجيلا، وقرآنا. والله تعالى لا يرى بالعين يوم القيامة، فلا تدركه الابصار التي ترى نعيم الجنة وما أعده الله فيها للمؤمنين، لأنها خلقت لترى الأشياء، لا لترى خالق الأشياء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والواجب تنزيهه عن ذلك، خلافا لما ذهبت إليه اليهود، في سؤالهم رؤية الله جهرة، ولا شك أن رؤية الله القلبية أولى بالاهتمام، فهي ما عبر عنه القرآن بالتجلي، وقد قال جاك روسو:" اكبر استخفاف بالرب ليس الغفلة عنه، بل التفكير فيه بما لا يليق".
