الإسراء.
يُزعم أن الإسراء والمعراج وقع في ليلة السابع والعشرين من رجب، في السنة الحادية عشرة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" أن هناك عشرة أقوال حول وقت وقوع الحادثة، بينما أشار ابن تيمية إلى أن الأدلة على تحديد شهر أو يوم الإسراء غير قطعية، وأن الروايات في هذا الشأن متناقضة وغير متسقة. وقد وردت عدة روايات عن حادثة الإسراء والمعراج تتسم بالضعف والتهافت للأسباب التالية:
الاضطراب في تحديد وقت الحادثة: تعددت الآراء حول موعد وقوع الإسراء، مما يصعب تحديد الوقت بشكل دقيق.
الاضطراب في كون الحادثة وقعت بالروح فقط أو بالروح والبدن: توجد روايات مختلفة حول ما إذا كان الإسراء قد وقع بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه، أو كان مجرد رؤيا بالروح فقط.
الاضطراب في تحديد بداية الرحلة: هناك تناقضات في تحديد المكان الذي انطلق منه النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان من المسجد الحرام، أو من بيت أم هانئ، أو من بيته عليه السلام.
التداخل بين حادثة الإسراء وحادثة المعراج: بعض الروايات تخلط بين حادثتي الإسراء والمعراج، رغم أنهما حادثتان مختلفتان، مما يؤدي إلى لبس في الفهم.
تعارض الرواية مع العقل: استدلال البعض على ضرورة استخدام دابة البراق في رحلة الإسراء والمعراج يوحي بعدم منطقية الفكرة، إذ لا يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم إلى دابة مثل البراق للانتقال من مكة إلى بيت المقدس.
القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع مرات عديدة طلبًا للتخفيف عن أمته: لا يمكن تصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يعود إلى ربه مرارًا استجابة لطلب موسى عليه السلام، وهو أمر يثير إشكالًا في فهم القصة.
السؤال عن معنى "الحكمة والعلم" في الطست: يثار تساؤل حول مغزى وضع الحكمة والعلم في "الطست"، وهو أمر غير واضح في سياق الروايات.
تشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه: ورد في بعض الروايات قوله: "ودنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى"، مما يوحي بتشبيه الله عز وجل بخلقه، وهو ما يتناقض مع مقتضيات التوحيد.
إلحاق الجهل بالله تعالى: بعض الروايات تلحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل ما ستطيقه أمته من التكاليف الشرعية، وهو ما ينافي الكمال الإلهي في معرفة ما يُكلّف به عباده.
الأساطير الإسرائيلية: هناك من يرى أن بعض التفاصيل في القصة تحمل طابع الأساطير الإسرائيلية، مثل ظهور موسى عليه السلام كأعلم من النبي صلى الله عليه وسلم بما تطيقه أمته.
الرواية التي وردت في صحيح البخاري وصحيح مسلم: وردت رواية في الصحيحين عن مالك بن صعصعة، وهو راوٍ قد يكون مجهولًا، وفي السند أيضًا قتادة بن دعامة السدوسي الذي يعد مدلسًا، كما ذكر ابن حجر.
عدم وجود أثر لحادثة الإسراء في الموطأ للإمام مالك: يلاحظ البعض أن الإمام مالك لم يذكر حادثة الإسراء في كتابه "الموطأ" الذي ألفه قبل تصنيف صحيح البخاري وصحيح مسلم، مما يثير تساؤلات حول مدى معرفته بهذه الحادثة.
أما بخصوص سورة الإسراء، فقد كانت في البداية تسمى "سورة بني إسرائيل"، كما ورد في كتب علوم القرآن، لأنها تتحدث عن قصة موسى عليه السلام وبني إسرائيل. ويعتقد بعض الباحثين مثل الدكتور مصطفى بوهندي أن العبد المذكور في صدر السورة هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لتبيان التماثل بين إسراء موسى وإسراء محمد صلى الله عليه وسلم، حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلاً قاصدًا المدينة المنورة، تمامًا كما أسرى موسى ببني إسرائيل ليلاً فرارًا من فرعون.
المعراج.
أما عن "العروج" الذي ورد في بعض الروايات، فقد ورد أيضًا في أساطير الديانات الأخرى مثل أسطورة "إيتانا" البابلية، وصعود زرادشت وماني إلى السماء، وأسطورة أخنوخ (إدريس عليه السلام). ومن جهة أخرى، ينفي القرآن الكريم صعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء عندما طلب كفار قريش منه أن يرقى إلى السماء، فقال الله تعالى في سورة الإسراء: "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا" (الإسراء: 93)، وهو ما ينسف الرواية عن رؤية النبي لربه في المعراج.
وفي رأيي، فإن الأساطير قد دخلت إلى التراث الإسلامي عبر من أسلموا من اليهود والنصارى والمجوس، فبعضهم لم يقطع علاقته بتقاليدهم الدينية السابقة، مما أدى إلى اختلاط بعض الوهم بالحقيقة.
