الأحكام الشرعية.

 

   تعريف المشترك اللفظي

  تُعدُّ ظاهرة المشترك اللفظي مشكلة في اللغة، وبالتالي في استنباط الأحكام الشرعية، لكونها تسير خلافا  للوضع المثالي للَّغة، الذي يقتضي أن يكون للَّفظ الواحد معنًى واحدٌ، وللمعنى الواحد لفظٌ واحد. والمشترك لغة معناه، ما اجتمع يه شيئان مختلفان، واصطلاحا هو اللفظ الواحد الدالُّ على معنَيَيْن مختلفين فأكثر، دلالة على السَّواءِ عند أهلِ اللغة، وقيل ما وُضع لمعنيين فأكثر، كالقرء للطُّهْر والحيض. وكالقسورة للرامي والأسد، وكلفظ عسعس الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وكلفظ الفجر، والشفع والوتر، وما شابه ذلك .وقد كتبَ القدماءُ كتبًا كثيرةً في اللغة العربية عن هذه الظاهرة منذ وقت مبكر، ومنهم من اتَّجَه إلى دراسته في القرآن الكريم، كمقاتل بن سليمان البلخي، الذي ألف الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، والسيوطي الذي خصص للمشترك في القرآن الكريم القسم الأعظم من كتابه معترك الأقران في إعجاز القرآن، والمبرد الذي ألف كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه في القرآن المجيد .وإذا تحقق الاشتراك في اللفظ فإن وجدت قرينة تبين المعنى المراد عمل بها، وإن لم توجد فلا يجوز أن يراد باللفظ المشترك جميع معانيه، بل يمنع ذلك مطلقا، وهذا هو الراجح من الأقوال. فلا يصح أن يراد باللفظ المشترك إلا معنى واحدا، ذلك أن العرب وضعت المعاني على التبادل، فكل معنى له وضع يختلف عن وضع المعنى الآخر، فلا يمكن إرادة جميع المعاني، لأن ذلك يكون مخالفا لأصل الوضع .قال الإمام الرازي: "حَمْل اللفظ المشترك على جميع معانيه لا يجوز، وأيضاً حَمْل اللفظ على حقيقته ومجازه معاً لا يجوز". فالعرب لا تطلق لفظ (الأسد) وتعني به الجمع بين الأسد والشجاع. ثم إنه لو كان اللفظ موضوعا لكل المعاني على سبيل الجمع لما صح استعماله في أحدهما حقيقة، ولأصبح التعريف الذي اصطلحوا عليه مختلا.

 مقاربة الفقهاء للمشترك اللفظي

  إطلاق المشترك على أحد معانيه في موضع، لا يُفهم منه منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر؛ فإطلاقه تعالى لفظ (العين) على الباصرة في قوله " :وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين " ، لا يمنع إطلاق (العين) في موضع آخر على الجارية، كقوله ": فيها عين جارية ". وكمثال على أن المشترك لا يستعمل في المعنيين معا، إجماع العلماء أن القرء المذكور في كتاب الله محمول على أحد معنيين: الحيض أو الطهر. فإن لم تكن القرينة التي تبين المراد من المشترك اللفظي تعدد فهم  معنى النص، مثاله حمل لفظ الجهاد في قوله عز وجل ": والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا "، فيُطلق مجاهدة النفس على إقامة شرائع الإسلام، ويطلق على مقاتلة الأعداء في الذبِّ عن ديار الإسلام، وقد فُسِّرت الآية بكلا المعنيين .وكذلك في قوله تعالى ": كأنهم حمر مستنفرة ، فرت من قسورة "، فلفظ القسورة مشترك بين (الرامي أي الصياد) وبين (الأسد)، وحمر الوحش إذا رأت الرامي فرت، وكذلك إذا رأت الأسد، واللفظ صالح للمعنيين، فإن كان لابد من الترجيح لاستنباط حكم شرعي، فما يكون صالحا عند فريق قد لا يكون صالحا عند آخرين، لذلك وجدنا أن المشترك اللفظي يعتبر وجوده سببا من أسباب اختلاف الفقهاء في استنباط الأحكام الشرعية، فاختلف مثلا في عدة الحائض المطلقة، وذلك أن المعنى المراد من لفظ القرء في قوله ": والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء"، موضوع في اللغة للحيض والطهر. والعرب تقول أقرأت المرأة إذا طهرت، وأقرأت إذا حاضت، ولا مرجح لمعنى على الآخر. وبناء عليه اختلفت أحكام الطلاق والزواج والإرث عند فقهاء المذاهب بالنسبة للمعتدة .وكذلك رجوع المطلقة ثلاثا إلى زوجها، وسبب الاختلاف لفظ نكح، لأن من معانيه الوطء والعقد، فقال تعالى ": فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره"، فذهب الجمهور من الفقهاء الى أن تحريمها على الزوج الأول لا يرتفع إلا بعد حصول العقد والوطء جميعا من الزوج الثاني، وذهب آخرون الى أن مجرد العقد عليها من الزوج الثاني كاف في تحليله .وكذلك في تطبيق حد السرقة، لأن لفظ قطع ورد في القرآن الكريم بمشتقاته، فدلَّ سياق الكلام في كل موطن على معنى، وفي معاجم اللغة، قطع بمعنى فصل، وعبر، وجز، وقسم، وبت، حسم... ففي تفسير قوله  تعالى: "فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ، قال ابن عاشور في التحرير:" وتقطيع أيديهن كان من الذهول، أي أجرين السكاكين على أيديهن يحسبن أنهن يقطعن الفواكه، وأريد بالقطع الجرح."  فلم يكن منهن بتر أيديهن بل الجرح فقط .ومثل ذلك في قوله تعالى ": وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ." قال ابن عاشور:" وفي تحقيق معنى السرقة، ونصاب المقدار المسروق الموجب للحد، وكيفية القطع مجال لأهل الاجتهاد من علماء السلف، وأئمة المذاهب وليس من غرض المفسر"، إذن فكيفية القطع يتكلم فيها أهل الاجتهاد، لكنه ليس محصورا في علماء السلف،  فكأني به رحمه الله يشير إلى عدم موافقته لما قرره الفقهاء من البتر .وقد سبق أن قلت في مقال العقوبات البدنية في الإسلام، أن القطع للسارق هو الجرح الذي يترك بعد البرء ندوبا وعلامة في اليد تدل على وصمة السرقة، وليس البتر وفصل اليد من مفصلها، حتى  تبقى صالحة لعمل الخير بعد التوبة.

تعليقات